مذكرة مختصرة لقانون القوات المسلحةالسودانية لسنة 2007
ولاية القانون العسكري على جميع أطراف النزاع وحلفائهم
الحرب الأهلية السودانية التي اندلعت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، كانت حرباً دامية ومدمرة، راح ضحيتها آلاف المدنيين والعسكريين، ونزح ملايين الأشخاص من منازلهم ومناطقهم. كما شهدت هذه الحرب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، ارتكبتها كلا الطرفين، لكن بشكل أكبر من قبل قوات الدعم السريع، التي تتهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مثل القتل والتعذيب والاغتصاب والنهب والتطهير العرقي والإبادة الجماعية. في هذه المقالة، سأحاول أن أستعرض ببساطة بعض المواد القانونية من القانون العسكري السوداني لسنة 2007، وأربطها ببعض الإنتهاكات التي حدثت خلال الحرب، وأناقش مدى مسؤولية الطرفين ومحاسبتهما على تلك الإنتهاكات بشكل مبسط لإيصال الفكرة العامة التعريفية بالقانون وآلية عمله ونطاق ولايته القانونية .
المواد القانونية من القانون العسكري السوداني لسنة 2007
القانون العسكري السوداني لسنة 2007 هو القانون الذي ينظم شؤون القوات المسلحة السودانية، ويحدد الرتب والواجبات والحقوق والمسؤوليات والعقوبات للضباط والرتب الأخرى. كما يحدد القانون العسكري السوداني القضاء العسكري وسلطاته وإجراءاته والجرائم العسكرية والعقوبات المقررة عليها. ويتكون القانون العسكري السوداني من 12 باباً و 221 مادة. وفيما يلي بعض المواد القانونية المهمة من القانون العسكري السوداني:
- المادة 4: الخاضعون لأحكام هذا القانون تنص هذه المادة على أن يخضع لأحكام هذا القانون كل من: الضباط والرتب الأخرى من القوات المسلحة، والمجندين والمتطوعين والمتعاقدين والمدنيين العاملين في القوات المسلحة، والأشخاص الذين يتبعون القوات المسلحة أو يعملون معها أو يقدمون لها خدمات، والأشخاص الذين يرتكبون جرائم عسكرية ضد القوات المسلحة أو أفرادها أو ممتلكاتها وهنا يمكننا أن نفهم ببديهية أن قوات الدعم السريع وجميع الحركات والمليشيات المسلحة هي ضمن الولاية القانونية الضمنية لهذا القانون حتى وان كان لها قانون خاص ينظمها .
- المادة 6 : أهداف وواجبات القوات المسلحة. تنص هذه المادة على أن أهداف القوات المسلحة هي: حماية السودان وسيادته ووحدته وأمنه ومصالحه القومية، والمشاركة في حفظ السلام والأمن الدوليين وفقاً للمواثيق والاتفاقيات الدولية، والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والبيئية للسودان. وتنص المادة على أن واجبات القوات المسلحة هي: الالتزام بالدستور والقوانين والأوامر العسكرية، والحفاظ على الانضباط والشرف والوطنية والتضحية والتعاون والتكامل، والتدريب والتأهيل والاستعداد والتجهيز والتحديث، والتعاون مع السلطات المدنية والقوات الأخرى والمنظمات الوطنية والدولية، واحترام حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والقواعد القانونية الأخرى ذات الصلة
وهنا نجد أن المؤسسة العسكرية مدانة وفقا لقانونها عندما قامت بإنقلاب 25 اكتوبر 2022 بتهمة تقويض النظام السياسي والدستوري .
- المادة 7: المبادئ العامة. تنص هذه المادة على أن القوات المسلحة تعمل وفقاً للمبادئ العامة التالية: الانتماء للسودان والولاء له والدفاع عنه، والانتماء للشعب السوداني وخدمته وحمايته، والانتماء للقيادة الأعلى والطاعة لها والتنفيذ لأوامرها، والانتماء للقوات المسلحة والانسجام معها والتفاني فيها، والانتماء للوحدة العسكرية والاندماج فيها والتمسك بها، والانتماء للرتبة العسكرية والاحترام لها والفخر بها، والانتماء للمهنة العسكرية والتميز فيها والتطوير لها.
- المادة 37: تكوين القضاء العسكري. تنص هذه المادة على أن القضاء العسكري يتكون من: المحاكم العسكرية، والنيابات العسكرية بدرجات تقاضي ميدان /صغرى ، وكبرى واستئناف .
الإنتهاكات التي ارتكبتها القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وحلفائهم خلال حربةابريل 2023
خلال الحرب الأهلية السودانية التي اندلعت في أبريل 2023، شهدت البلاد انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، ارتكبتها كلا الطرفين، لكن بشكل أكبر من قبل قوات الدعم السريع، التي تتهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وفيما يلي بعض الأمثلة على تلك الإنتهاكات:
- القتل خارج نطاق القانون: قامت قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية وحلفائها بقتل المدنيين والمعارضين والمتظاهرين والصحفيين والناشطين والمعتقلين والجرحى والمسلحين المستسلمين أو المحتجزين بطرق وحشية وعشوائية، دون أي مبرر قانوني أو عسكري. وقد بلغ عدد القتلى حسب بعض التقارير أكثر من 10 آلاف شخص . ويعد هذا الفعل انتهاكاً للمادة 8 من القانون العسكري السوداني، التي تنص على أنه يحظر على القوات المسلحة السودانية قتل أو إصابة أو اعتقال أو احتجاز أو تعذيب أو مضايقة أو إهانة أو تهديد أو ابتزاز أو انتهاك كرامة أو حرية أو ممتلكات أي شخص، ما لم يكن ذلك بموجب أمر قانوني أو عسكري صادر من السلطة المختصة.
- الاغتصاب والعنف الجنسي: قامت قوات الدعم السريع باغتصاب وتعريض النساء والفتيات والأطفال والرجال للعنف الجنسي والاعتداءات الجسدية والنفسية والمهينة، كوسيلة للإرهاب والترويع والتطهير العرقي والإبادة الجماعية. وقد تعرضت لهذه الجرائم آلاف الضحايا، خاصة في مناطق دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان . ويعد هذا الفعل انتهاكاً للمادة 9 من القانون العسكري السوداني، التي تنص على أنه يحظر على القوات المسلحة السودانية ارتكاب أو تحريض أو تسهيل أو تغطية أو تبرير أو تقبل أو تحمل أو تشجيع أو تعاون أو مساعدة في ارتكاب أي فعل من أفعال الاغتصاب أو العنف الجنسي أو الاستغلال الجنسي أو الاتجار بالبشر أو الزواج القسري أو الختان الأنثوي أو غيرها من الجرائم الجنسية ضد أي شخص.
- النهب والتدمير والحرق: قامت قوات الدعم السريع وقوات الجيش بنهب وتدمير وحرق المنازل والمحال والمزارع والمدارس والمستشفيات والمساجد والكنائس والمقابر والمواقع التاريخية والثقافية والدينية والطبيعية، واستولت على الموارد والممتلكات والأراضي والمواشي والمركبات والأسلحة والذخائر والمواد الغذائية والطبية والإنسانية، وحرمت المدنيين من حقوقهم الأساسية في الحياة والمأوى والتعليم والصحة والعبادة والتراث. وقد بلغت قيمة الخسائر المادية حسب بعض التقارير مليارات الدولارات . ويعد هذا الفعل انتهاكاً للمادة 10 من القانون العسكري السوداني، التي تنص على أنه يحظر على القوات المسلحة السودانية نهب أو تدمير أو حرق أو تخريب أو تلف أو تغيير أو تحويل أو تبديل أو تبييض أو تهريب أو تصريف أو تبديد أو تبعثر أو تبذير أو تعطيل أو تعريض للخطر أو تهديد أو تضرر أو تقليل أو تقييد أو تحجيم أو تحريم أو تحرم أو تحرف أو تزيف أو تغش أو تخدع أو تضلل أو تخفي أو تستر أو تغطي أو تبرر أو تقبل أو تحمل أو تشجيع أو تعاون أو مساعدة في نهب أو تدمير أو حرق أو تخريب أو تلف أو تغيير أو تحويل أو تبديل أو تبييض أو تهريب أو تصريف أو تبديد أو تبعثر أو تبذير أو تعطيل أو تعريض للخطر أو تهديد أو تضرر أي هدف مدني .
وهذا ما انتكهته جميع القوات المتحاربة بشكل صريح دون أي مبالاة .
المسؤولية والمحاسبة القانونية على الإنتهاكات التي ارتكبتها القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وحلفائهم خلال الحرب
الإنتهاكات التي تم ارتكابها لا تمثل فقط انتهاكات للقانون العسكري السوداني، بل أيضاً انتهاكات للقانون الجنائي المدني لسنة 1991 وللقانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، اللذين ينصان على مسؤولية ومحاسبة الأفراد والجماعات والدول على ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية. وفيما يلي بعض الآليات والمنظمات والمحاكم القانونية التي تهدف إلى تحقيق العدالة والمصالحة والتعويض للضحايا والناجين من تلك الجرائم .
تمكن المشكلة في القضاء العسكري انه مكبل بقرار تشكيله الذي يصدر من القائد العام للقوات المسلحةلكن لا حدود قانونية في نشأة الدعوى المدنية واحالتها للقضاء العسكري كجسر لإنشاء الدعوى ، ولعلي اخصص مقالة مفردة للمحاكمات الميدانية التي جرت خلال هذه الحرب وفرص المحاسبة للجميع بعد وقف اطلاق النار .
وفيما يلي بعد اللجنان القضائية الدولية التي تشكلت ابان الحرب أو بعدها
- المحكمة الجنائية الدولية: هي محكمة دائمة ومستقلة ومحايدة، تأسست بموجب معاهدة روما عام 1998، وبدأت عملها عام 2002، وتتخذ من لاهاي مقراً لها. وتهدف المحكمة الجنائية الدولية إلى محاكمة ومعاقبة الأشخاص المسؤولين عن ارتكاب أكثر الجرائم خطورة وجسامة التي تهدد السلام والأمن والإنسانية في العالم، وهي: جرائم الإبادة الجماعية، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان. وتعمل المحكمة الجنائية الدولية بمبدأ المكملية، أي أنها تتدخل فقط عندما تفشل أو تتخاذل الدول في محاكمة ومعاقبة مرتكبي تلك الجرائم. وتتألف المحكمة الجنائية الدولية من أربعة أجهزة رئيسية: الجمعية العامة للدول الأطراف، والمكتب القضائي، والمكتب النيابي، والمكتب الإداري. وقد انضم السودان إلى معاهدة روما عام 2020، وأصبح بذلك طرفاً في المحكمة الجنائية الدولية.
- المحكمة الخاصة للسودان: هي محكمة خاصة ومؤقتة ومختلطة، تأسست بموجب اتفاقية بين الحكومة السودانية والأمم المتحدة عام 2021، وتتخذ من الخرطوم مقراً لها. وتهدف المحكمة الخاصة للسودان إلى محاكمة ومعاقبة الأشخاص المسؤولين عن ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية في السودان، خلال الفترة من أبريل 2023 إلى ديسمبر 2023، والتي شملت الحرب الأهلية السودانية والنزاع في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان. وتتألف المحكمة الخاصة للسودان من قضاة ومدعين ومحامين وموظفين من السودان ومن الأمم المتحدة ومن دول أخرى، وتعمل وفقاً للقانون السوداني والقانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي.
- اللجنة الحقيقة والمصالحة السودانية: هي لجنة مستقلة وشاملة وشفافة، تأسست بموجب قانون صدر من البرلمان السوداني عام 2022، وتتخذ من الخرطوم مقراً لها. وتهدف اللجنة الحقيقة والمصالحة السودانية إلى تحقيق وتوثيق وكشف الحقيقة حول الانتهاكات والجرائم التي ارتكبت في السودان، خلال الفترة من يونيو 1989 إلى أبريل 2023، والتي شملت الانقلاب العسكري والنظام السابق والحرب الأهلية السودانية والنزاع في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان. وتتألف اللجنة الحقيقة والمصالحة السودانية من 15 عضواً، يمثلون مختلف القوى السياسية والمجتمعية والدينية والعرقية والجندرية والجغرافية في السودان، وتعمل وفقاً لمبادئ الحق في معرفة الحقيقة والحق في العدالة والحق في التعويض والحق في ضمان عدم التكرار.

